المقريزي
217
إمتاع الأسماع
الحقيقة هو الله تعالى القاهر ، فأضاف ذلك إلى الرسول عليه السلام ، إذ جرى ذلك على يده بتمكين الله تعالى له ، وتسليطه على من كذبه وجحده ، وهذه بشارة قد تحقق صدقها فيه لظهور المسلمين وعلوهم على من خالفهم ، فتحققت الدلالة ولله الحمد . ومعنى الحاشر على ما روى الخبر : أنه الذي يحشر الناس على قدمه ، أي لا نبوة بعده ، وأن شريعته قائمة ثابتة إلى قيام الساعة ، اهتدى بها من اهتدى ، أو ضل عنها من ضل . ومعنى نبي الرحمة مثل قوله : إنما أنا رحمة مهداه ، فبعثه من الله رحمة ، هدى بها من شاء رحمته وهداه ، وسمي كالمطر المسمى رحمة ، لأن الله يرحم عباده بالمطر فيسوق إليهم بالمطر الخيرات ، ويوسع عليهم بها النبات والأقوات ، ولا يوجب هذا الاسم أن الله رحم به المدعوين من عباده ، وذلك إنما يجري الله على لسانه من الدعاء والبيان ، وإن كان رحمة فصورته كعطية من قبلها فاز بنفعها ، ومن تركها وردها حرم نفعها ووجب عليه العقاب . قال كاتبه ويؤيد هذا ما رواه البيهقي من حديث السعودي عن سعيد بن أبي سعيد عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ( 1 ) ، قال من آمن بالله ورسوله تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من الخسف والمسخ والقذف ، فتلك الرحمة في الدنيا . قال أبو نعيم : ومعنى نبي الرحمة : فهو إعلام منه يكون بعده وفي زمانه من الحروب والجهاد ، والقتل والسبي . ومعنى الرحمة في إرساله : أن الله تعالى لم يعجل معجزته ودلائله كدلائل الماضين قبله من الأنبياء ، وذلك أن الماضين من الأمم كانوا يقترحون على أنبيائهم ويتحكمون عليهم بالآيات على حسب شهوتهم واقتراحهم ، فكان دأب الله فيهم الاصطلام إذا لم يؤمنوا بها كقوله لما اقترحوا على عيسى المائدة : ( قال
--> ( 1 ) الأنبياء : 106